<data:blog.pageTitle/> <data:blog.pageName/> - <data:blog.title/>
مقالات

إلى متى ستظل تزهق أرواح هذا الشعب؟ 2

كتب/ الدكتور عوض أحمد العلقمي

يالها من ليلة عدنية  من ليالي الصيف المكتئبة ،  المصطحبة بحرارة ملتهبة، وحميات قاتلة ، أنظرُ في حجرات المنزل ، والممرات الضيقة بين تلك الحجرات ، وقد امتلأت بالمرضى ، أصرف النظر عنهم وأعود إلى المتكأ المعد لي ، لكن السمع لايستطيع إخفاء الصرخات وتلك الأنات المتتابعة عني ، في هذا الوقت أدرك أحد أبنائي تألمي وعجزي إزاء ما أرى   وأسمع ، فيأتي إلي ، ثم يقول : لاتحزن يا أبي فقد أخذتهم جميعا قبل أن تعود من عملك إلى أحد المشافي ، وأجريتُ لهم الفحوصات الطبية اللازمة ، وماذا عن نتائج الفحوصات يابني ؟ أما الزهراء فلم يظهر في فحوصاتها إلا الملاريا وحمى الضنك والتيفوئيد ، كذلك حوراء لديها الملاريا وحمى الضنك ، أما الثلاثة الآخرون ففي تشخيص مرضهم شيء من اللبس إذ أشار المختص إلى ظنه بأن لديهم فيروس قد يكون متحورا من فيروس كورونا ، أجارنا الله وإياك منه ، وهل أخذتَ لهم الدواء يابني ؟ أخذت أهمًهُ وتركتُ مادون ذلك ؛ لعدم امتلاكي المال الكافي لشراء الوصفة الطبية كاملة ، لكن أرجو أن تترك الأمر لي يا أبي ، فربما كان حالنا أفضل مقارنة بكثير من سكان الحاضرة ، الذين افترستهم الأوبئة في منازلهم ، وهم في عجز عن الهروب إلى المشافي من فتك تلك الأعداء المتربصة ، لذلك أرى يا أبي أن تدع هذا الأمر لي ، وتذهب أنت كعادتك لممارسة طقوسك اليومية ، بارك الله فيك يابني … ذهبت إلى أحد المنتديات ، والتقيت برهط من الزملاء ، تحدثت عن معاناة هذا الشعب الطيب ، وكيف سلطت عليه وسائل القتل المتعددة والمتنوعة ، وأهمها ذلك الوحش المدلهم ، حالك السواد ، الذي يسمى المجاعة  ، الأمر الذي جعل خائبا يسألني بأسلوب تشتم من رائحته نتن الاستعلاء وغرابة التصديق ، أين هي المجاعة التي تتحدث عنها ياصديقنا بل اعطنا اسما واحدا مات في هذه البلاد بالمجاعة ؟ على رسلك ياخائب ، أنا سوف أبين لك كيف تزهق أرواح القوم كل يوم في هذا البلد الطيب !!! من هذا الشعب من يفقد مناعته لعدم قدرته شراء شيء من الخضار والفواكه فضلا عن اللحوم الطازجة والدقيق غير المنتهية صلاحيته ، وهنا يصبح فريسة سهلة للأمراض القاتلة وما أكثرها في بلادنا ، كذلك توجد أسر فقيرة معدمة ، لكنها متعففة لاتستطيع الوقوف على قارعة الطريق للسؤال ، تكون قد فقدت كل مدخراتها ، وباعت كل ماكانت تملك ، فتبقى في منازلها حتى يهلكها الجوع أو تستبقه بإزهاق أرواحها قتلا أو شنقا ، أما المسنون وأرباب الأمراض المزمنة الذين يموتون كل يوم بسبب انقطاع تيار الكهرباء الموجه فربما فاق عددهم ماتتوقع ياخائب ، كذلك انقطاع المياه النقية ، وطفح مياه الصرف الصحي في شوارع الحاضرة ، وغوص باعة اللحوم والخضار والفواكه في بحار ومستنقعات الصرف الصحي فضلا عن انعدام النظافة ، كل هذا يعد من أخطر الأسلحة الفتاكة في إزهاق الأرواح ، أما أرواح الشباب التي تزهق في الجبهات ، هل تظن ياخائب أنها تزهق لمسوغ الشهادة أم أنها تزهق من أجل الحصول على ذلك الألف الذي فيه شيء من إحياء النفس ومن تعول ، وإن كان إلى أجل مسمى … مع أن كثيرا من تلك الحميات القاتلة ، والتي تعد من أمضى وأفتك الأسلحة لحصد أرواح هذا الشعب ياخائب يمكن التخلص منها أو الحد من خطورتها بوساطة ضخ شيء من دخان مادة الديزل في مواطن تجمعات البعوض في شوارع الحاضرة وأزقتها ، وردم المستنقعات والحفر المملوءة بالمياه الآسنة ، وجمع القمامة من أمام المنازل ، ومن الشوارع والأحياء ووضعها في الأماكن المخصصة … غير أن الإنسان رخيص جدا في بلدنا ، وهذا ماسبقنا إليه البردوني إذ قال :
وفوق ذلك ألقى ألف مرتزق **
             في اليوم يسألني مالون معتقدي ؟
بلا اعتقاد .. وهم مثلي بلا هدفٍ **
             ياعمُ .. ما أرخصَ الإنسان في بلدي !
هل استوعبت الدرس الآن ياخائب ، أجل أيها الصديق الصدوق … سوف نتحدث في سرديتنا الثالثة – إن شاء الله – عن انهيار التعليم وهو الداء الأعظم إزهاقا للروح الجمعية ….

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
الأكثر قراءة خلال 24 ساعة
زر الذهاب إلى الأعلى