<data:blog.pageTitle/> <data:blog.pageName/> - <data:blog.title/>
مقالات

من ليالي حاضرة الشرق 3

كتب/ الدكتور عوض أحمد العلقمي

بقيت أنظر – وأنا على قطار الأنفاق – شمالا ويمينا  ، وإذا بكل من حولي من عامة القوم والبسطاء ؛ فظننت أن ذلك لتواضع سعر  التذكرة في هذا النوع من النقل ، كان مقعدي يطل على النافذة في الجهة اليمنى من القطار الذي يسير بنا شرقا ، الأمر الذي مكنني من حرية المشاهدة والتقاط صور بصرية لبعض المناظر ، وتخزينها في أرشيف الذاكرة ، فضلا عن رغبتي في عدم النزول في حي الشاطبي ، ومواصلة البقاء على قطار الأنفاق للتعرف على الحاضرة ، من تلك المشاهد التي استلفتت البصر ولامست شغاف القلب ؛ نادي حاضرة الشرق ، الذي رافقني في تلك الرحلة المسائية من بعد محطة الرمل بحوالي ثلاثمائة متر إلى أن ودعني في كيليو باترا الصغرى ، استدعاني فضول المعرفة إلى سؤال أحدهم ، لمن هذا البستان الواسع الممتد بمحاذاة السكة ؟ قبل أن يجبني  سأل ، هل الأخ من العرب ؟ أحدث لي السؤال شيئا من المفاجأة والارتباك ، ثم قلت : أجل ، ولكن ألم تكن أنت من العرب أيضا ؟ قال : بلى يا أخي ، غير أن مفردة (العرب) تعني – لدينا – الوافدين من جزيرة العرب ، ثم أضاف ، أما هذا البستان الذي تشاهده ، هو نادي الحاضرة الرياضي ، وقد تجاوز عمره القرن  من الزمن ، بدأ مقرا لطبقة الأعيان والأثرياء من المصريين والأجانب ، ومازال كما ترى في ربيع شبابه ، يملكه كثير من المشتركين ، ومازال مفتوح بابه لمن يريد أن يلتحق بشركائه ، وينتسب لأعضائه ، علما بأن المشترك يورث نصيبه لأبنائه وأحفاده ، وتبقى تتوارثه العائلة إلى أن يشاء الله ، يحوي كثيرا من الطقوس الرياضية ، أهمها الفروسية … مع أن حاضرة الشرق جميلة كلها ، بل الأهم من ذلك أنك تشتم عبق التاريخ فيها من كل زقاق ؛ لكثرة ماتعاقبت عليها من الحضارات ، ويجد كل وافد إليها مايسره من بقايا تلك الحضارات الغابرة ، أما أنا فلم يشغف قلبي أو يبهج ناظري أكثر من الاستمتاع بساعة يومية في وقت الأصيل على شاطئ البحر الأبيض المتوسط بالقرب من قلعة المماليك ؛ أتدري لماذا تعجبني تلك الساعة من كل يوم أخي القارئ ؟ سوف أحكي لك شغفي بهذه الساعة بشيء من الإيجاز … حي الشاطبي من الأحياء المشاطئة أو البحرية إن جاز التعبير ، إذ لايفصل بينه وبين البحر إلا شارع الجيش أو مانطلق عليه الكورنيش ؛ لذلك كنت أخرج من مقر إقامتي قبل الغروب بأكثر من ساعة ، أسير على الأقدام في شارع الجيش غربا حتى أصل إلى قلعة المماليك ، المطلية بالدهان الأبيض ، المنتصبة على الشاطئ ، وكأنها شيخ صوفي ينظر عبر امتداد البحر ، يرقب السفن القادمة منذ أن تبدأ التلويح بسواريها إلى أن تصل ويكتمل استقبالها ، وينظر – مودعا –  السفن المغادرة إلى أن تختفي سواريها في أعماق البحر ، والشمس تعلو القلعة في حالة انحدار نحو المغيب ، وقد تحولت إلى قرص دائري من الذهب ،  فضلا عن نشرها لذلك الرداء المطلي باللون الذهبي البديع على القلعة وشارع الجيش والأحياء المشاطئة ، من الميناء غرب القلعة حتى كيليو باترا الصغرى شرقا ، في هذا الوقت أمتع النظر من ذلك المشهد ، من تلك اللوحة الذهبية البديعة  التي أعترف بعجزي عن وصفها ، الوصف الذي يليق بجمالها . وفي الوقت الذي أنا أشاهد تلك اللوحة البديعة ، وأتفكر في جمال الخلق ، وقبله في عظمة الخالق ، أسمع شيئا من الضجيج ، يحدثه قوة التصادم بين الأمواج وبين جسم القلعة من جهة البحر لاسيما في ليالي المد ، فأقرأ في صمود القلعة كثيرا من الأحداث التي أصبحت ضربا من التاريخ ؛ كأن أتذكر عودة أمير الشعراء أحمد شوقي من منفاه على أحد السفن ، إذ رأى شواطئ الإسكندرية فأنشد سينيته المشهورة ، وهو يمسك بسارية السفينة :
وطني لو شغلت بالخلد عنه ** نازعتني إليه في الخلد نفسي
وقبل ذلك أنظر إلى القلعة ، فيذهب بي الخيال إلى شاعر العربية وجهبذها أبي الطيب المتنبي ، وكيف لم يحسن وفادته ، ولم يكرم نزله الزعيم المملوكي كافور الإخشيدي …. إلى السردية القادمة …..

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى