<data:blog.pageTitle/> <data:blog.pageName/> - <data:blog.title/>
مقالات

سيظل يوما محفورا في الذاكرة

كتب/ الدكتور عوض أحمد العلقمي

عادة ماتكون الأعياد مقرونة بطقوس الزواج في منطقة الصبيحة عامرة بالأفراح والمسرات ، وهذا أمر أظن أنه ينسحب على كثير من المدن والأرياف اليمنية ، غير أن المدن لم تعد في أفراحها أي نكهة عربية أصيلة ، إذ تأثرت كثيرا بالثقافة الغربية والطقوس المستوردة من خارج البلاد العربية ، أما بلاد الصبيحة فمازالت محافظة على كثير من فلكلورها الشعبي ، ذي الأصل العربي الخالص … في رحلتي هذه خرجت ظهر ثاني عيد الأضحى ، بعد أن وجه لي صديقي العزيز ، بل أخي الذي لم تلده أمي ، أبو عمر دعوة يطلبني فيها لمشاركته أفراح زواج ابنه عمر ، ومع أنني لم أعد أتمتع بالصحة الجيدة ، أو القدرة الكافية للسير على الأقدام ، إلا أنني فتشت في ملف الذاكرة القبلية ، فوجدت أن عائلة العسر فرع باسق من قبيلة العلقمة ، ولها تاريخ مشرف ، يستحق مني قطع الفيافي والقفار ، وتسلق الجبال التي لم تصلها المركبات ، ومن اللقب الذي أطلق على هذه العائلة ، أظن أن القارئ سيتخيل عظمة العائلة وبسالتها ، فضلا عن كرمها الذي لاأستطيع وصفه في هذه السردية المقتضبة ، انطلقت وبمعيتي رهط من الأقارب – أبنائي وأبناء إخوتي – في موكب متواضع في العدد ، كبير بل عظيم في معناه ومكانته الاجتماعية ، أمسينا في المضاربة ، وفي الصباح واصلنا رحلتنا حتى أطلينا على قرية تسمى الدمدم ، وهي عبارة عن منخفض زراعي خصب تحيط بها الجبال من كل الجهات على شكل دائرة ، تحاكي جفنة الثريد العربية ، تقرأ في وجوه أهلها الجود والكرم ، وكأن حالهم يحكي واقع قريتهم الجغرافي ، ثم نفذنا من ثغرة جبلية شرقية باتجاه الوليمة ، وإذا بنا نطل على منخفض زراعي وضعنا فيه مركبتنا ، ترجلنا باتجاه المخدرة أو المكان المعد لاستقبال الرجال ، وقد انضم إلى موكبنا كثير من الشباب ، بدأنا صعود الجبل الذي لايقل ارتفاعه عن خمسمائة متر تقريبا ، وإذا بالفرقة الشعبية تستقبلنا بضرب الطبول الضخمة أو كما يسمونها الجواحل والمرافع والطاسات ، الأمر الذي جعل تلك الأصوات تحدث صدى في الجبال المحيطة بنا ، حتى أننا لم نعد نستطيع التمييز ، هل هي أصوات طبول الفرقة الشعبية الفلكلورية التي هي أمامنا ، أم هناك أصوات لفرق أخرى تنبعث من الجبال المحيطة بنا ، ارتفعت معنوياتنا – لاسيما الشباب منا – فاختلطت أصوات البندقية من أكتاف الشباب  بأصوات الطبول ، الأمر الذي جعل الأبدان تقشعر ، والرؤوس تعلو باتجاه السماء ، والأحجار تتدحرج من حثيث الخطى ، حتى خشيت أن يحصل مكروه – لاسمح الله – فتتحول فرحتنا إلى حزن ، فبقيت أنظر إلى الشباب ، وأحرص على رفع فوهات البندقية إلى الأعلى ؛ لأنني ليس بيدي بندقية ، فأنا ما أرى البندقية إلا آلة قتل ؛ لذلك لا أحبذ حملها ، وإن كانت ضرورية في بعض المواضع ؛ كأن تكون مدافعا عن وطنك ، أو في حالة التصدي للغزاة والطامعين ، وصلنا إلى قرية العسيرة – مفردها العسر – وهي ضد السهل ، وما أدراك ما العسيرة ؟ إنهم تاريخ بحاله ، لايتسع هذا المقام لشرحه .  فوجدناهم في حالة استنفار لاستقبالنا والاحتفاء بمقدمنا ، فكان يوما مشهودا من أيام أفراح العرب بكل ماللكلمة من معنى ، يوم جمعنا بالأهل والأحبة بعد فراق يصل إلى عقود من الزمن ، يوم سيظل محفورا في الذاكرة ، ذكرنا وسيبقى يذكرنا تلك الطقوس العلقمية  الصبيحية العربية الخالصة ، فليس لنا إلا أن نقول مبارك لكم يا آل العسر الأفراح وأدام على داركم ودياركم المسرات ……

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى