<data:blog.pageTitle/> <data:blog.pageName/> - <data:blog.title/>
مقالات

المعلم .. طَحْنُ المَطحُونِ، أم بناءُ العُقُول؟!

كتب/ياسر الدالي.

جمعتني الطريق يومًا ما بمشرفٍ تربوي مخضرم، تطارحنا معًا هموم التعليم، وكان من بين الهموم التي طرحها شكواه من بعض المعلمين، فقال: هناك قطاع عريض من معلمينا مقاومون للتغيير بشدة، قلت: كيف؟ قال: تجد أحدهم تقليدي الطريقة، مُمِلّ الشرح، رَتيب الأسلوب، لا يعرف من الوسائل إلا الورق المقوى، عديم الأنشطة، يُديرُ صفَّه بدكتاتورية لا تسمحُ للطلاب بالمشاركة الفاعلة، قلتُ له: هذه طامّة، كيف نتوقع مخرجاتٍ من معلمٍ هذا أداؤه؟! قال: يا صاحبي، كأنّ بينه وبين التطوّر عداء، تزوره عدة زيارات، وتُعطي ملاحظاتكَ التطويرية، لكنّه يتركها ويمضي فيما دَرَجَ عليه، قلتُ له: هناك بكل تأكيدٍ حلٌ لهذه المشكلة إن لم تكن حلول، رميتُ له بعضها على عُجالة ومضى.
استهليت هذا المقال بهذه المشكلة لأطرح مقترحًا عمليًا لحلّها، وكوننا نمرّ بمرحلة الاستعدادات لبدء عامٍ دراسي جديد صارت أيام بَدئِه معدودة، هذا العام الدراسي تستعدّ له الأسرة في المنزل، والتربية والتعليم – كجهةٍ مختصةٍ – بتجهيز المدارس، وتهيئةِ المناخ العام الجاذب للطلاب للاتجاه صوب مقاعد الدراسة، ومن باب أوْلَى أن يُكون المعلمُ جزءًا من هذه الاستعدادات؛ لأنه قائد التغيير في هذه العملية برُمّتها، فدورُه محوريّ وحسّاس في تربية الجيل، وبناء قدراته ومهاراته، و تغيير سلوكياته نحو الأفضل، ورسْم توجهاتٍ تُسهم بفاعليةٍ في خلق الوعي بأهمية العلم، وريادته في صناعة العنصر البشري الصالح، ومن هنا تبرز أهمية هذا الاستعداد التربوي للمعلم، والذي نحن بصدد الحديث عنه.
فالمعلم لا يخفى دورُه في تربية النشء، وتكوين شخصيته القيادية، والمجتمعية، ومن ثَمّ على قدر هذه المسؤولية الكبيرة المُلقاة على عاتقه ينبغي أن يكون لديه تقييم ذاتي دوري لنفسه، يكون مُنطلَقًا وأساسًا للتقييم العام السنوي – الذي أطالبُ بتفعيله واتخاذ إجراءاتٍ بحق المقصرين فيه – يُجري فيه المعلم مراجعةً شاملةً لقدراته ومهاراته، ولعل الهدف الأبرز من هكذا أمر هو أن يقدٌم المعلم نفسه كصانعٍ حقيقي للجيل، جديرٌ بأن يتبوأ هذه المكانة السامية، فكم نحن بحاجةٍ اليوم إلى مخرجاتٍ تعليميةٍ ذات جودةٍ عاليةٍ (معرفيًا، ومهاراتيًا، وسلوكيًا) تحمِلُ هَمّ المجتمع في جوانبه كافة! وبالتالي تعملُ بكل إخلاصٍ على خوض معترك البناء الأكاديمي لنفسها بتحدٍ وجِدّيةٍ وإصرار، وفق أهدافٍ مرسومة، وصولًا إلى تحقيق الهدف الأكبر، وهو توفير العنصر البشري الصالح الذي نؤمّله لقيادة البلد نحو الأفضل، وانتشاله من قعر الفساد، والجهل، والصراعات، إلى مصافّ الدول الأكثر ممارسةً للعدل، والنظام، والتطوّر بمختلف مجالاته، وتحقيق معدلات نموٍّ علميةٍ كبيرةٍ نباهي ونفخرُ بها.

ولأجل هذا كلّه أرى بأن الحاجةَ ملحّةٌ إلى إعداد وإجراء هذا التقييم الذاتي الدوري للمعلم، الذي يُراجِع فيه كلّ ما يمتلكه من مهارات وقدرات، تؤهله لتولّي عملية بناء الجيل وفق أسسٍ وغاياتٍ واضحة.

ولعلّ أبرز المجالات التي يُمكِنُ أن يتضمّنها التقييم الذاتي الدوري للمعلم:

– *القدرات المعرفية العلمية* التي تمكّنه من تغذية النشء بالمادة العلمية اللازمة لتحقيق سُلّمٍ معرفيّ متين، يَصعَدُ به إلى مراتبَ أكاديميةٍ عليا مرجوّة، من هذه القدرات على سبيل المثال التمكن العلمي في المادة التي يدرّسها، وقدرته على مواكبة كل جديدٍ متطورٍ فيها، والبناء العلمي الذاتي لنفسه الذي يجعل منه مرجعيةً علميةً لطلابه لا يمكن الاستهانة بها.

– *القدرات التخطيطية* التي تمكّنه من التخطيط لعملية التعليم والتعلم بحرفيةٍ عالية، فإذا ضمنّا الجودة في التخطيط عملنا بعدها على المهارة في التنفيذ، والدقّة في المتابعة والتقويم، ومِن ثمّ التحسين.

– *المهارات الأدائية المهنية* التي تساعده في توصيل المعلومات، وإكساب المهارات، وتنمية القدرات لدى المتعلم، كمهارته في تنويع الطرائق والإستراتيجيات التعلّمية، والأساليب والوسائل، والأنشطة الصفية وغير الصفية، ومهارته في تنمية الحسّ التساؤلي لدى المتعلم، ومهارته في إدارة الصف وخلق بيئةٍ تعلميةٍ منتجة.

– *القدرات الشخصية القيادية* التي تمكّنه من التأثير الإيجابي في النشء، وبناء شخصيتة المتزنة، القادرة على الإبداع والابتكار، كالقدرة على الاتصال والتواصل، والإقناع والتأثير، وحل المشكلات بطرقٍ علميةٍ ابتكارية، وصُنع النشء عبر مواقفَ جادةٍ تصقُلُه وتبنيه، وغيرها من القدرات التي يمكن الرجوع إليها في استمارات التقييم المتنوعة.

هذه المجالات يمكن أن تتضمّن مؤشراتِ أداءٍ قياسية، تُعطِي وبكل وضوح نتائجَ واقعيةٍ لحالة المعلم الدورية، أين نجحَ وأبدَع، وأين أخفقَ وقصّر، فيعزّز النجاحات والإبداعات، ويبحث عن معالجات لجوانب الإخفاق والقصور، ومِن ثَمّ تجعله يتبنّى لنفسه سياسةً تطويريةً ذاتيةً في فترة الإجازة الصيفية، وعند كل فرصةٍ تسنح له؛ لتحسين قدراته ومهاراته المختلفة، عبر برامجَ تدريبيةٍ تأهيليةٍ صارت شبكة الإنترنت اليوم تُقدّم كثيرًا منها مجانًا، أو عبر القراءة الموجّهة في موضوعات ذات صلةٍ بنقاط قصوره؛ ليتجاوز هذا القصور، أو عبر لقاءاتٍ وورش عملٍ مع ذوي خبراتٍ عالية؛ ليضيفَ منها إلى خبراته، ليقدّم بعد ذلك نفسَه لطلابه في العام الدراسي الجديد بكل ثقةٍ واقتدارٍ وجدارةٍ تليق بمكانةِ المعلم (إنّما بُعثتُ معلمًا)، وسموِّ رسالته (العلماءُ ورثةُ الأنبياء)، وعظيمِ ثوابه (يرفعِ اللّهُ الذينَ آمنوا منكم والذينَ أوتوا العلمَ درجات).

والله من وراء القصد.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى